خطوات الاستدلال بالدليل عند أهل السنة والحديث “الأخذ بظواهر النصوص إلا لأدلة ملزمة” الحلقة الثانية عشرة

من طرائق أهل السنة والحديث في منهج الاستدلال: الأخذ بظواهر النصوص إلا لأدلة ملزمة، لأن “الواجب حمل كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وحمل كلام المكلف على ظاهره الذي هو ظاهره، وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب، ولا يتم التفهيم والفهم إلا بذلك، ومدعي غير ذلك على المتكلم القاصد للبيان والتفهيم كاذب عليه”1. 

فأهل السنة والحديث وسط بين الذين بالغوا في الأخذ بالظاهر ولم يلتفتوا إلى معاني الأدلة وبين الذين فرطوا في الأخذ بالظاهر، فردوا ظاهر الدليل بمجرد النظر العقلي أو الهوس الفلسفي.
فـ”اعلم أن الظاهر دليل شرعي يجب اتباعه والعمل به بدليل إجماع الصحابة على العمل بظواهر الألفاظ”2.
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: “قد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظاهر واجب حتى يرد دليل شرعي صارف عنه، إلى المحتمل المرجوح3 وعلى هذا كل من تكلم في الأصول”4.
ومن الغرور الفكري أن يسم كثير من أهل الأهواء والبدع من العقلانيين والعلمانيين وغيرهم ممن لا فهم لهم دقيق أهل السنة والحديث -طعنا فيهم- بالتحجر والجمود أو الحرفية في الفكر والسطحية في النظر لأجل تمسكهم بظواهر نصوص القرآن والسنة وجعل ذلك هو الأصل، وعدم أخذهم بـ)روح النص( كما زعموا )!!(، وكل ذلك صيرورة إلى الانسلاخ من أحكام الوحي، ومن الاعتماد على تقديس )النظر العقلي المجرد (!! نسأل الله السلامة والعافية.
وصدق شيخ الإسلام رحمه الله لما قال: “العقول إذا فسدت لم يبق لضلالها حد معقول”5.
مع التنبه أن اعتناق كلمة )روح النص( ونحوها للتفلت مما دلت عليه ظواهر الأخبار ما هي إلا خدعة علمانية فاسدة قد تسربت -وللأسف -إلى كثير ممن يعرفون بـ)المفكرين الإسلاميين(!! وكذا إلى بعض من يطلق عليهم أنهم )رموز الدعوة الإسلامية(!!
ومن العجيب أن بعض من ينتسب إلى الدعوة كذلك يدعي أن هذا المسلك الذي سار عليه أهل السنة في الأخذ بظواهر النصوص هو الذي ذمه العلماء على الظاهرية قديما!
وهذا من الخلط بين المفاهيم، ووضع بعضها موضع الآخر دون نظر وتدقيق، ولا رؤية ثاقبة ولا تحقيق مما يدل على أن قائل ذلك: لا يعرف حقيقة مذهب الظاهرية، وما الذي رده العلماء عليهم؟! وما الذي ذموه في مسلكهم؟!
قال الإمام الشافعي رحمه الله: “القرآن عربي كما وصفت، والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها ليس لأحد أن يحيل منها ظاهرا إلى بطن ولا عاما إلى خاص، إلا بدلالة من كتاب الله فإن لم تكن فسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، تدل على أنه خاص دون عام أو باطن دون ظاهر أو إجماع من عامة العلماء الذين لا يجهلون كلهم كتابا ولا سنة، وهكذا السنة، ولو جاز في الحديث أن يحال شيء منه عن ظاهره إلى معنى باطن يحتمله كان أكثر الحديث يحتمل عددا من المعاني، ولا يكون لأحد ذهب إلى معنى منها حجة على أحد ذهب إلى معنى غيره، ولكن الحق فيها واحد لأنها على ظاهرها وعمومها6 إلا بدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قول عامة أهل العلم بأنها على خاص دون عام، وباطن دون ظاهر، إذا كانت إذا صرفت إليه عن ظاهرها محتملة للدخول في معناها”7.
وبناء عليه فكل ما ورد عن الأئمة في عدم الأخذ بظواهر بعض النصوص فذلك لمعارض ظهر لهم فتنبه.
ومن أمثلة ذلك ما بينه الذهبي رحمه الله في السير حيث قال: “قال أحمد بن حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكا لم يأخذ بحديث )البيعان بالخيار( فقال: يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
ثم قال أحمد: هو أورع وأقول بالحق من مالك.
قلت (أي: الذهبي): لو كان ورعا كما ينبغي لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث لأنه رآه منسوخا..”8.
أما الظاهرية التي ذمها العلماء على أصحابها حقيقتها: أن يهجم المستدل على النصوص ويقطع بالحكم بها ببادئ النظر، اعتقادا منه أنه هو ظاهر النص ومقتضى اللغة دون طلب تفسير الصحابة والسلف الصالح، ودون مراعاة مقاصد الشرع ومحكماته.
وعليه فـ”الاحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طرق أهل البدع”9.
فمن معالم الظاهرية المبتدعة: الجمود على ظاهر لفظ النص دون مراعاة المعنى المقصود منه وإبطال دليل القياس تعيينا وعملا غالبا إلى غير ذلك 10.
فـ”اتباع ظواهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده والقطع بالحكم ببادئ الرأي والنظر الأول، وهو الذي نبه عليه قوله في الحديث: )يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم( ومعلوم أن هذا الرأي يصد عن اتباع الحق المحض ويضاد المشي على الصراط المستقيم، ومن هنا ذم بعض العلماء رأي داوود الظاهري وقالوا: إنها بدعة ظهرت بعد المائتين”11.
قال أبو حيان الأندلسي: “محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه”.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله معلقا على كلمة أبي حيان الأندلسي: “لقد صدق أبو حيان في مقاله، فمذهب الظاهر هو أول الفكر وآخر العمل عند من منح الإنصاف، ولم يرد على فطرته ما يغيرها عن أصلها وليس هو مذهب داوود الظاهري وأتباعه فقط، بل مذهب أكابر العلماء المتقيدين بنصوص الشرع من عصر الصحابة إلى الآن، وداوود واحد منهم، وإنما اشتهر عنه الجمود في مسائل وقف فيها على الظاهر حيث لا ينبغي الوقوف وأهمل من أنواع القياس ما لا ينبغي لمنصف إهماله.
وبالجملة فمذهب الظاهر هو العمل بظاهر الكتاب والسنة بجميع الدلالات وطرح التعويل على محض الرأي الذي لا يرجع إليهما بوجه من وجوه الدلالة.
وأنت إذا أمعنت النظر في مقالات أكابر المجتهدين المشتغلين بالأدلة وجدتها من مذهب الظاهر بعينه، بل إذا رزقت الانصاف وعرفت العلوم الاجتهادية كما ينبغي، ونظرت في علوم الكتاب والسنة حق النظر كنت ظاهريا، أي: عاملا بظاهر الشرع منسوبا إليه لا إلى داوود الظاهري، فإن نسبتك ونسبته إلى الظاهر متفقة، وهذه النسبة هي مساوية للنسبة إلى الإيمان والإسلام، وإلى خاتم الرسل عليه أفضل الصلوات والتسليم، وإلى مذهب الظاهر بالمعنى الذي أوضحناه…”12.
وصفوة الكلام في هذا الباب، وفصل النزاع في قضية الأخذ بالظاهر التفريق بين ما يظهر للإنسان وبين ظاهر كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فالأول قد يكون متوهما بخلاف الثاني.
ولذا فـ”لفظ الظاهر يراد به ما قد ظهر للإنسان، وقد يراد به ما يدل عليه اللفظ، فالأول يكون بحسب فهم الناس، وفي القرآن ما يخالف الفهم الفاسد شيء كثير”13.
“فكل ما بينه القرآن وأظهره فهو حق، بخلاف ما يظهر للإنسان بمعنى آخر غير نفس القرآن يسمى ظاهر القرآن، كاستدلالات أهل البدع من المرجئة والجهمية والخوارج والشيعة”14.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. إعلام الموقعين 3/108- 109.
2. إرشاد الفحول للشوكاني رحمه الله 263.
3. قال الإمام الألباني رحمه الله: “فإن العلماء كثيرا ما يضطرون لترك ما دل عليه ظاهر النص لمخالفته لنص آخر، وهو في دلالة نص قاطع، مثل ترك مفهوم النص لمنطوق نص آخر، وترك العام للخاص، ونحو ذلك” الصحيحة 1/258.
4. أضواء البيان 7/443.
5. الفتاوي 2/357.
6. قال الخطيب رحمه الله: “ويجب أن يحمل حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام على عمومه وظاهره إلا أن يقوم الدليل على أن المراد به غير ذلك فيعدل إلى ما دل الدليل عليه” الفقيه والمتفقه 1/222.
7. مختلف الحديث للإمام الشافعي رحمه الله 7/27-28 بهامش كتاب الأم.
8. السير 7/142-143.
9. الفتاوي لابن تيمية رحمه الله 7/375.
10. انظر إعلام الموقعين لابن القيم رحمه الله 1/344.
11. الموافقات للشاطبي رحمه الله 4/179.
12. البدر الطالع 2/290.
13. منهاج السنة لابن تيمية رحمه الله 4/179.
14. الفتاوي لابن تيمية رحمه الله 7/375.

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>