مقاومة بني بويحيى اجتياز الفرنسيين ملوية لدعم شروط القرض الفرنسي 1910

سبق الحديث عن الإنذار النهائي الموجه لمولاي عبد الحفيظ من طرف فرنسا بوجوب المصادقة على مشروع الاتفاق الذي تم إعداده في باريس مع المقري حول القرض الفرنسي، والشروط المرفقة به، والتي تردد مولاي عبد الحفيظ على توقيعه بعد الاجتماع الذي عقده يوم 9 فبراير 1910 مع وزرائه وبعض العلماء، والشرفاء المشهورين، حيث طلب منهم رأيهم في ذلك الاتفاق، فأشار أغلبهم بعدم قبوله، لكن الضغوط الممارسة على السلطان جعلته يقبل التوقيع عليه في 25 فبراير1910 وفيه قبل بإنهاء الديون التي على المخزن العزيزي والمترتبة على احتلال الدار البيضاء والشاوية والتخوم الجزائرية، كما قبل وضع مداخيل المخزن تحت المراقبة في الموانئ والأسواق، كما وافق على معاقبة القياد المشتكى بهم من طرق المحميين، وإيقاف العلاقات مع ماء العينين، وتسهيل القياد لسفننا في مراقبة تهريب السلاح، كما وافق على تسريح الضباط الأتراك الذين استقدمهم المخزن لتدريب الجيش واستبدالهم بأعضاء البعثة العسكرية الفرنسية.

ويعتبر قبول اتفاق 25 كما جاء في مجلة إفريقيا الفرنسية من طرف مولاي حفيظ تبرئة جيدة له من معاداة حركتنا بالمغرب إذا ما تمت فعلا؛ لأنه ما يزال يريد تفاصيل دقيقة حول المسائل المدرجة في الاتفاق إجمالا والتي لم تحدد، والذي يثير صداها الحركات الشعبية التي ساندته للوصول إلى الحكم ضد أخيه عبد العزيز المتهم ببيع بلاده للأجانب في حين أنه لم يعط في اتفاق 1904 ما أعطاه حفيظ في 25 فبراير 1910 من مراقبة أوربية لعدة أشياء مغربية (ص:88، إفريقيا الفرنسية 1910م).
أوردنا هذه الإشارة لتبيان أن الحركة العسكرية المسجلة على الجهة الشرقية من واد ملوية، والتي أدت إلى معركة بين القوات الفرنسية وقبيلة بني بويحيى التي قالت القوات الفرنسية بأنهم اجتازوا واد ملوية وهاجموها، على الضفة اليمنى التي تحتلها بموجب الاتفاق الفرنسي المغربي 1901 و1902 المنظم لبوليس مراقبة الأسواق على الحدود، مما حتم فسح المجال لحديث البارود، لمساندة الجهود السياسية، وهكذا قاد الكولونيل “فيردو”: الحملة في تلك الناحية وذلك من أجل إقامة حاجز بين أسواق وهران والمغرب غرب ملوية، لكن أيضا لضبط عمليات التبادل التجاري وجعله فعالا بين الشرق والغرب تحت مراقبة البوليس، ومن أجل ذلك أنشانا سوقا في تاوريرت محمي، مما ألزمنا تأمين المحاور المحيطة به بالقيام ببعض العمليات التي قادت إلى معركة مول الباشا، حيث لم يتأخر فرساننا عن القيام بالواجب قبل أن تسبقنا اسبانيا لنفس العمل انطلاقا من مليلية” (ص:210، في إفريقيا الفرنسية 1910م)، وقد تم احتلال موقع مول الباشا يوم 12 يوليوز 1910م، حيث وضعنا 1200 رجلا في مركزي مبرادا وبرطو على ملوية ( ص:93 La renaissance du maroc ,dix ans de protectorat 1912-1922).

معركة مول الباشا من خلال مراسلات ليوطي
وقد كتب الجنرال “ليوطي” قائد قوات الحدود إلى وزير الخارجية بيشون بما يلي:
– مول الباشا في 13 يوليوز 1910
تم بالأمس حادث في مول الباشا، حيث هوجمنا، حسنا فعل المهاجمون من الأهالي المتواجدين على الضفة اليسرى لواد ملوية بعدم اجتيازهم إلى الضفة الأخرى، أنت تعرف بوليس ليوطنا كولونيل “فيرود” الذي رافقته بعدما وصل في الصباح حيث وصلت أيضا في نفس الآن مع مفرزة تافوغالت، من أجل إقامة علاقة تواصل مع المركز الأخير .
أقام “فيرود” بتعليمات مني معسكرا على الضفة اليمنى فوق مرتفع يسيطر على مشرع عرضه 30 مترا. حوالي الساعة 11 منتمون إلى الضفة اليسرى مؤلفة من جماعة كبيرة مع قطعان شبيهة بقافلة شوهدت تندفع لاجتياز المشرع، فقمنا بربط الاتصال معهم عن طريق مبعوثنا سي الطيب بوعمامة من أجل الاطمئنان، فأجابونا بالشتائم، وقاموا باقتحام الضفة اليمنى تقريبا، بواسطة جماعة أسفل المشرع، واستولوا على المرتفع المقابل، وأنذرونا بالتراجع.
حاول ليوطنا معهم لآخر لحظة تفاديا للنزاع مبينا لهم بأنه لا يوجد في نيتنا التجاوز إلى الضفة اليسرى، فلم يسمعونا، وبقوا يتكاثرون باستمرار؛ حتى أصبحوا صفين متراصين جنبا لجنب. بعد هذا بدا الخطر، وفتح إطلاق النار. وبعد مقاومة دامية أرادوا التفاوض، وعاد بعضهم إلى اجتياز ملوية في حين بقي آخرون كامنين بين حشائش الواد، ومرتفعات الأرض، تم نقل المعسكر ليلا نحو مكان آخر أحسن، قرب قبة مول الباشا على بعد 3 كلم في أعلى مكان هناك.
هذه الحركة أزعجت المهاجمين بقسوة، فأوقفوا عملية الاحتلال بعدما فقدوا 53 قتيلا مغربيا تم إحصاؤه، لأن مجموع خسائرهم ليست نهائية؛ أما نحن فقد فقدنا 11 قتيلا: 5 من بطيون الجزائريين الثاني، و5 من اصبايحية، و25 جروحهم خطيرة، أو أكثر خطورة، و17 جروحهم بليغة.
بعض المعلومات التي قدمها الأسرى خطيرة، بين أيدينا 17 بندقية سريعة الطلقات.
هذا التحريض العدواني قام به بني بويحيى من الضفة اليسرى غير مبرر، عمل “فيرود” من أجل تفادي النزاع كل ما في وسعه، ثم قاد المعركة بكفاءة متبوعا من الجميع الذين كانوا معه من الجنود والضباط المنضبطين أثناء المعركة.
ارتأيت إعادة المفرزة إلى تاوريرت دون أن أعطي الانطباع بالتراجع بعد هذا العجز المسجل ضد البوليس.
من جهة أخرى اقتضى نظري أن يؤكد التحريك السالف إنزال عقاب قاس يكون درسا لبني بويحيى ووضع مفرزة مؤقتة في مول الباشا مع دورية مراقبة تمنع تجاوزهم المشرع وتتقاسمه مع ساكنة الضفة الأخرى في أحسن الأحوال.
وفي رسالة أخرى من “ليوطي” إلى “بيشون” في نفس الموضوع (ص:392، رقم:479)، من وجدة: 16 يوليوز 1910 بطلب من بني بويحيى أرسلت إلى مول الباشا سي الطيب بوعمامة للقاء أعيان بني بويحيى الذين استنكروا العدوان الذي تعرضنا له من طرف فخذتين من القبيلة مبدين رغبتهم في إقامة علاقة حسنة معنا.
فرضنا عليهم ذعيرة محددة حسب ثروتهم وحتى يتم أداءها منعوا من دخول أسواقنا.
ما وقع يوم 12 بقي عملا معزولا، ليس هناك قبيلة على الضفة اليمنى لها علاقة بهم توجد معنا في هدنة.
وفي مراسلة أخرى له من وهران رقم:480، بتاريخ 26 يوليو 1910 جاء بها: “أبلغني “فيرود” بأنه تلقى زيارة 15 من الأعيان الممثلين لمجموع فخذات بني بويحيى الذين جددوا اعتذارهم وطلبوا منه الأمان، واقترحوا أداء الذعيرة المفروضة عليهم وقدرها 1500 رأس غنم على دفعات في آجال متعددة”.
في مراسلة أخرى رقم:481 من “بيشون” وزير الخارجية إلى “ليوطي” من باريس، بتاريخ 26 يوليوز 1910: “أحيط مجلس الوزراء علما بما بعثت لي به من عدوان بني بويحيى على مفرزة البوليس المبعوثين إلى مول الباشا، أعتمد عليك في إعادة الهدوء إلى الناحية، إذ من المهم أن تحس القبائل بالأمان، وأن تجدوا الحل المناسب لعدم تجاوزهم ملوية وحدود عمليات قوات البوليس في النقط المحتلة”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>