سمات وملامح مشروع الحركة النسوية العلمانية في المغرب

موضوع المرأة هو حصان طروادة الذي تركبه الحركات النسوية، لضرب الهوية والقيم والمرجعية الإسلامية الأصيلة في الصميم، لذلك يلاحظ المتتبع لنشأة هذه الحركات ومطالبها وارتباطاتها وتمويلها ومرجعيتها، كيف أن قضايا المرأة الحقيقية ومعاناتها الواقعية لا تجد صدى ولا مدافعا، بل تخيم ظلال الإيديولوجيا والسياسة فتطغى وتحجب المرأة مع حقوقها بحجاب سميك وكثيف.

إن مشاكل المرأة كما هو الشأن بالنسبة لمشاكل الرجل مرجعها لأوضاع اقتصادية وسياقات سياسية، لا تفرق في ضحاياها بين ذكور وإناث، ولا تختلف مطالبهما إلا فيما يختلفان فيه بطبيعة تكوينهما ومهامهما، فالمرأة والرجل يعانيان معا من التهميش والبطالة والعنف، ويحتاجان معا إلى التعليم والتطبيب، ويعانيان معا من التحرش والاستغلال.
وهذا لا يمنع من وجود حالات إجحاف في حق المرأة، راجعة إلى الجهل وبعض التقاليد الموروثة المخالفة للدين، لكن السبب الرئيسي كم أسلفنا هو العامل الاقتصادي والسياق السياسي؛ الذي لا يمكن التغاضي عن كون ضحاياه من الرجال والنساء والكبار والصغار على حد سواء.
إن المشاكل والمعاناة الآنف ذكرها ترجعها الجمعيات النسائية العلمانية للعوامل الثقافية والعقلية الذكورية، وكلها عبارات حين تطلق يقصد بها الدين، فمشكلة العنف سببها العقلية الذكورية وكذلك مسألة تعليم النساء وبطالتهن وغيرها، كلها لا تنظر إليها هاته الحركات على أنها مشاكل ينبغي حلها، بل تعتبرها مداخل لتغيير العقلية وتفتيت وتهشيم المنظومة القيمية الموصوفة بالتقليدية، باعتبارها المسؤولة عن كل معاناة المرأة.
والحقيقة أن المعاناة الحقيقية للمرأة التي تتجاهلها هذه الحركات النسوية، من قبيل العنوسة، والاستغلال والتحرش الجنسي، واستغلال جسد المرأة من أجل الدعاية والتسويق (استغلالا يصل حد الإهانة، كما حصل مع شركة للقروض الاستهلاكية، حيث عرضت السنة الماضية في صورة إشهارية، خاصة بقروض عيد الأضحى، صورة امرأة يطل من رأسها قرنا خروف وهي تردد ماااااااع)، واستغلال أرباب العمل والشركات للنساء بالأجور الزهيدة وساعات العمل الطويلة والطرد التعسفي، والعنف ضد النساء، وانتشار الدعارة، وارتفاع نسب المطلقات والمتخلى عنهن أزواجهن، كل هذه المآسي وغيرها، هي من نتائج وثمار الحياة العصرية ودوامتها وطاحونتها بعيدا عن هدي الشريعة وأحكامها، وجريا وراء الحضارة الغربية ومنظومتها القيمية التي تبشر بها هاته الحركات النسوية، وتعتمدها مرجعا ومقياسا لقياس الحالة النسائية عندنا.
فلا غرابة إذن أن تتجاهل الحركات النسوية العلمانية المشاكل الحقيقية للمرأة، وأن ترفع مطالب سياسية وإيديولوجية لا علاقة لها بالمشاكل والمطالب الحقيقية، بل غرضها ضرب قيم وهوية المغاربة، والضغط من أجل أن تعلو قيم وثقافة الآخر، وأن تسمو عن كل مراجعة أو انتقاد أو تحفظ، والعمل على ذلك بكل الوسائل، بما فيها الارتباط بالأجنبي والولاء والوفاء له؛ وتلقي الأموال وجميع أنواع الدعم منه، وخدمة أجنداته وأهدافه من غزو فكري وحرب أفكار وصراع حضارات، تستهدف فيها مجتمعاتنا من خلال مدخل الأسرة والمرأة والطفل. لذلك نرى أن مطالب تلك الحركات النسوية تتلخص في:
• المساواة بين الجنسين.
• تحرير المرأة، (وقد صنفت مؤسسة فريديوم هاوس للدفاع عن الحريات، سنة 2010، المرأة المغربية في الرتبة الثانية من حيث التحرر، والناظر إلى حال شوارعنا ومؤسساتنا وبيوتنا، سيدرك أي تحرر يقصدون، فهل حققت هذه الرتبة أي قفزة للمرأة المغربية وقللت من معاناتها، الجواب طبعا لا، لأنه كما أسلفنا لا علاقة لتلك المطالب بحقوق ومعاناة ومطالب المرأة).
• رفع سن الزواج.
• إلغاء ولاية التزويج.
• منع تعدد الزوجات.
• المساواة في الإرث.
وغيرها من المطالب، التي يبدو جليا أن الغاية منها استهداف منظومة وثقافة وهوية الشعب، من خلال تبني مشروع مجتمعي حداثي علماني، بمظلة ودعم غربيين، وتمريره من خلال الركوب على قضية المرأة.
ولعل أهم إنجاز حققته الحركة النسوية في مسيرتها، هو جعل مدونة الأحوال الشخصية بأكملها، كأي قانون وضعي، يناقش في البرلمان، وضرب قضية سموها وقداستها إن صح التعبير لأنها مستمدة من الدين، وهو تتويج لعمل بدأ منذ سنة 1947، مع منظمة 7 أبريل النسائية، التي طالبت في ذلك الوقت المبكر بالمساواة مع الرجل ومنع التعدد.
وأعقب ذلك مسلسل الدعوة لتعديل مدونة الأحوال الشخصية، خاصة بعد اتضاح معالم العمل النسوي العلماني، بتأسيس الاتحاد التقدمي النسائي سنة 1962، ثم بتوسع العمل النسوي العلماني منتصف السبعينات، بالتزامن مع اتساع موجة الشيوعية والإلحاد، ثم خوض الحركة النسوية العلمانية لمعاركها الإيديولوجية والسياسية من داخل ملف مدونة الأسرة، خلال فترة الثمانينات.
ثم الانتقال لمستوى عال من التنسيق بين مكونات الحركة النسوية العلمانية، في التسعينات، وذلك بوضع لبنات لوبي ضاغط وموحد؛ وصياغة ملف مطلبي وعرائض للتوقيعات، لتغيير مدونة الأحوال الشخصية تغييرا شاملا وجوهريا وجذريا.
وهو التغيير الذي أصبحنا نعيشه واقعا، بعد تطور العمل النسوي العلماني، وتلقيه الدعم من جهات أجنبية، بل للأسف يستفيد حتى من الدعم الحكومي، والنتيجة: مطالب من قبيل حرية التصرف في الجسد، و”فيمن ماروك”، وأشكال ونماذج من فنانات ومناضلات العري، مثل ابتسام لشكر ولطيفة أحرار وزوجة نور الدين الصايل التي دعت مؤخرا من خلال وسائل الإعلام “جميع النساء بإقامة علاقات قبل الزواج”، ولازال حبل المطالبات واختراق وتفتيت منظومتنا القيمية على الجرار.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>