مساعدة بطعم الاحتلال

سبقت الإشارة إلى أن اتفاق 4 ماي 1910، المتعلق بقرض 90 مليون فرنك للنفقات الداخلية، و”المرفوق بطلب للحكومة الفرنسية بإرسال مدربين عسكريين لتكوين قوة نظامية شريفة بدل المحلات، بيد أن الوضعية السياسية والمالية للحكومة الشريفة لم تنتعش، بل صارت شيئا فشيئا أكثر اضطرابا”. ص:23 “Protectorat de la France au Maroc” Rouard de Gard، 1914.

مولاي حفيظ بدأ يفقد سلطته شيئا فشيئا على وزيره لكلاوي، الذي ثارت عليه قبائل ناحية فاس بسبب سخطها على ابتزازه، واغتصاب قياده لها، فقامت بمحاصرة العاصمة والمطالبة بعزل الوزير وقياده، والتراجع عن السياسة التي يتبعها السلطان مع الفرنسيين، والتي أدت إلى عزل المولى عبد العزيز، وهو ما أخبر به موحا وحمو الزياني أحمد الهبة، عندما مر عليه في طريقه إلى فاس سنة 1327هـ، من أن عبد الحفيظ نقض العهد ومال إلى النصارى. ص:192، “المعسول” ج:20، محمد المختار السوسي.
كما ثبت للسلطان أن لكلاوي لا يسعى إلا في مصالح فرنسا وفي إفساد قوة الحكومة، ص:84، “المعسول” ج:20؛ يقول القائد “الناجم”: “اشتغل المدني لكلاوي بالوسوسة بيننا نحن قواد الأرحاء، وعلينا عند السلطان، فقد استدعينا نحن قواد الأرحاء ذات يوم، فتهيأنا كلنا بالجند والخيل والسلاح على العادة، فأمرنا أن نحشر كلنا في المشور، ثم سد الباب علينا، فأمرنا أن نخلع الكسوة العسكرية القديمة التي علينا، وندفع كل ما عندنا من الخيل والبغال والسلاح والمتاع المخزني.
ثم صار أصحاب المدني يخرجون خيولنا عشرة عشرة، فيقتلونها في الخلاء قتلا ليمحوها من الوجود، ثم يصبون على جثثها الجير، وذلك كله بحجة الخروج بالجندية من الأنظمة القديمة إلى النظام الجديد الذي يكون الجند كلهم مشاة فيه، فلا يركب إلا الرئيس وحده، هذا ما كان يقال لنا، ولكن كنا نفهم أن مقصود لكلاوي هو إضعاف القوة المخزنية ليدرك الفرنسيون أصحابه ما يشاؤون في المغرب” ص79، “المعسول” ج:20.
وتواصلت التوترات وحصار فاس من طرف القبائل، اشراردة، وبني احسن، وبني امطير، وأيت يوسي، وأولاد جامع، واشراكة، ولحياينة، وبني وراين.
ومن أجل إعادة النظام التمس مولاي حفيظ مساعدة الحكومة الفرنسية، التي أبانت عن استعدادها تقديم النصح والدعم للمخزن قصد إتمام إنجاز مشروعه، وهكذا ارتأت أن تتخذ المواقف المناسبة، فبعثت قوات مهمة لاقتحام فاس ورفع الحصار عنها وحماية المعمرين الأجانب، والضباط المدربين للقوات الشريفة، وليس لاحتلال مزيد من الأرض كما يزعم، حيث تم تكوين كولون على حدود الشاوية، ثم تحرك ليكون في 24 أبريل 1911 في بوركراك، وفي 30 منه في قصبة القنيطرة، حيث بقي هناك أياما، إلى أن توصل بأمر مواصلة السير دون توقف، وذلك يوم 11 ماي 1911، وعند وصوله إلى سيدي عياش هوجم من طرف القبائل، حيث دارت معركة طاحنة هناك.
بعدها، واصل سيره فبلغ “لالة يطو” يوم 12 ماي، ثم بعدها دار الزيراري، فسيدي كدار، فالحجرة الوقفة، وعين موكا، واجتاز واد مكس، حيث وصل أسوار فاس يوم 21 ماي، ليعسكر بحدائق دار الدبيبغ، دون أن يدخل المدينة أو يحتلها، وبوصوله العاصمة رفع الحصار عنها، وطلب السلطان من قائد البعثة العسكرية “موانيي” إخضاع القبائل العاصية له، وهي: بني امطير، وأيت يوسي، وبني عمار، واشراكة، وزمور، وقد انتهت العمليات في 9 يوليوز 1911″ ص:28، “رونارد”.
لأجل ذلك تبادلت الحكومتان الفرنسية والمغربية، الرسائل بين وزير الخارجية الفرنسي، والسفير المغربي بباريس، أيام 13 و16 مارس 1911، وفي نفس الوقت تم التوقيع من طرف الأخير، على اتفاق مالي بتاريخ 14 ماي 1911″ ص:26، “رونارد”.
وبذلك تكون السياسة الخارجية الفرنسية التي كانت مركزة على المغرب خاصة منذ عشرات السنين، دون أن يكون لديها أي تكليف لتهدئته، أو بسط أمن وحماية ممتلكات الأوربيين، غير تكليف مبهم واسع في مؤتمر الجزيرة، معقد، محدود، بمعية اسبانيا، يتعلق بثمانية موانئ، تضع فيها بعض الضباط المدربين، حسب الفصل الرابع، لا سلطة لهم على المغاربة المتدربين، المتراوح عددهم بين 2000 و2500 رجل، يوزعون على الموانئ من 150 إلى 600 رجل، وقد بلغ عدد المدربين الإسبان والفرنسيين بين 30 و40 نفر”. “LA FRANCE DANS L’AFRIQUE DU NORD” ،PAUL LEROY BEAULIEU، ص:5 و30.
كان ذلك سنة 1908 سنة كتابة المقال، واليوم سنة 1911، سنة دخول فاس نستحضر كتابة “روني ميليت” في كتابه “غزو المغرب” الصادر سنة 1913، حيث يقول: “نحن في المغرب من أجل حماية خاصرة امبراطوريتنا الإفريقية، لذلك فإن النشاط العسكري الذي انتشر حول فاس ليس ذهابا للأمام عبر نقط محددة، إنه سلسلة دائرية، أو نصف دائرية لتمشيط البلاد عن طريق كولون متحرك سيستولي بسرعة على العاصمة، وسيتم ذلك عبر إنشاء سلسلة من المراكز في نقط مختارة” ص:168.
وفيما يلي متابعة لوقائع وصول القوات الفرنسية إلى فاس:
جاء في رسالة من “دوبيليي” إلى وزير الخارجية الفرنسية: طنجة 9 نونبر 1910.
“إتفق السلطان مع وزيره الكبير المدني لكلاوي، بإعادة التنظيم العسكري على قاعدة المشروع الذي قدمه في السنة الماضية الكومندان “منجان”، وسيأخذ ما بين ألفين وثلاثة آلاف من الجنود القدماء.
رئيس بعثتنا العسكرية أخبرني بأنه حضر الاجتماع، الذي أمر فيه السلطان بمغادرة الجنود المحررين من الخدمة العسكرية العاصمة، والعودة إلى بلدانهم الأصلية، وقد تم إعطاء الأمر بذلك من قبل السلطان ولكلاوي (ص:14، رقم:13).
وفي رسالة أخرى من “دوبليي” إلى وزير الخارجية من طنجة بتاريخ 19 نونبر 1910، جاء فيها: “سبق أن أخبرتك بأن السلطان يريد رفع عدد أفراد البعثة العسكرية الفرنسية”.
“منجان” يلح بإيفاد طبيب عسكري وترجمان عسكري وأربعة ضباط صف، من جهة أخرى السلطان عنده مشروع تكوين 150 رجلا من المسرحين تحت إمرة وتدريب البعثة، وأربعة طوابير مشاة، وطابور للهندسة العسكرية من 210 رجال، وفي هذا الإطار يرى قائد بعثتنا العسكرية بأن هناك حاجة إلى ضابطين للمشاة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>