السلطان إسماعيل بن الشريف المفترى عليه

على خلفية ما صدر عن موقع “لايف سيانس” الأمريكي، المتخصص في الأبحاث العلمية، حول السلطان المولى إسماعيل بن علي الشريف، وبخصوص فحولته وخصوبته التي أنجب على إثرها ما يقارب الألف من العيال، ووصف السلطان بالمحارب المتعطش للدماء، حاولت الغوص في عدة مراجع تاريخية تؤرخ للفترة التي عاش فيها السلطان المذكور، وما هو انطباع رعيته على فترة حكمه؟ وموقف العلماء منه؟ وكيف كانت طباعه وتصرفاته؟ وبماذا كانت تتميز شخصيته؟

محاولا في الآن نفسه الإجابة على بعض التساؤلات التي وردت خلال هذا السجال الذي خاض فيه من يعلم ومن يجهل، والمحب والمبغض، والمتسرع والمتأني في الحكم على الناس، والطاعن في الأعراض والمتعفف عن ذلك.
وفيما يخص عدد أبنائه حسب ما ورد في عدة مراجع قد نجزم بأنه صحيح بدليل دفاتر الأعطيات على عهد السلطان محمد بن عبد الله وبعد وفات السلطان بأكثر من ثلاثين عاما، وبعد سنوات من الحروب والتطاحن بين الإخوان على العرش، وقتل الكثير منهم في هذه الحروب، بقيت بسجلماسة لوحدها مائة وخمسة (105) دور كلها لأولاده من صلبه، وأما الذين لم يعقبوا أو عقبوا وانقطع عقبهم فليسوا في الدفتر، وأما الحفدة والأسباط فكان عددهم في أيام المولى إسماعيل ألفا وخمسمائة وستين (1560) وإذا علمنا كما أورد الضعيف الرباطي، أن كل دار كان بها الأم وأبناؤها فإن الرقم قد يكون صحيحا.

استتباب الأمن وعموم الرخاء أيام المولى إسماعيل
جاء في الاستقصا: “واشتغل السُّلْطَان بِبِنَاء قصوره وغرس بساتينه والبلاد فِي أَمن وعافية تخرج الْمَرْأَة وَالذِّمِّيّ من وَجدة إِلَى وَادي نول فلا يجدان من يسألهما من أَيْن وَلا إِلَى أَيْن، مَعَ الرَّجَاء المفرط فَلا قيمَة للقمح وَلا للماشية والعمال تجبي الْأَمْوَال، والرعايا تدفع بِلا كلفة، وَصَارَ أهل الْمغرب كفلاحي مصر يعْملُونَ ويدفعون فِي كل جُمُعَة أَو شهر أَو سنة، وَمن نتج فرسا رباه حَتَّى إِذا بلغ أَن يركب دَفعه إِلَى الْعَامِل وَعشرَة مَثَاقِيل مَعَه ثمن سَرْجه، هَذَا إِذا كَانَ المنتوج ذكرا فَإِذا كَانَ أُنْثَى ترك لَهُ، وَيدْفَع لِلْعَامِلِ مِثْقَالا وَاحِدًا.
وَلم يبْق فِي هَذِه الْمدَّة بِأَرْض الْمغرب سَارِقا ولا قَاطع طَرِيق، وَمن ظهر عليه شيء من ذَلِك وفر فِي الْقَبَائِل قبض عَلَيْهِ بِكُل قَبيلَة مر عَلَيْهَا أَو قرية ظهر بها فَلا تقله أَرض حتى يؤتى بِهِ أينما كان، وكلما بات مجهول حال بحلة أو قرية ثقف بها إِلى أن يعرف حَاله، ومن تركه ولم يحتط فِي أمره أَخذ بِمَا اجترحه وَأدّى ما سرقه أَو اقترفه من قتل أَو غَيره”.

تعطش السلطان للدماء
قال أحد الأكادميين الذين خاضوا في هذا الموضوع: “إنه إذا رجعنا إلى المصادر والوثائق، نجد أن السلطان كان فعلا مبالغا في الحدة والقساوة، ولا يتورع عن قتل كل معارضيه بما في ذلك ابنه محمد وابن أخيه المسمى ابن محرز، لكن تأويل هذه الظاهرة يختلف حسب منظورات المؤرخين”.
السلطان لم يقتل ولده بل أمر بتطبيق حد الحرابة عليه وهو حد شرعي يناسب الجرائم التي اقترفها في حق سكان مراكش التي استباحها وقتل عددا كثيرا من سكانها ونهب أموالها، فقاموا بقطع يده ورجله من خلاف عند واد بهت، هذا الأمر أدى إلى وفاته.

اعتناؤه بالضعفاء والمساكين من إيالته
كان رحمه الله إذا أصاب الناس قحط ومجاعة عظيمة في بعض الأعوام عدمت فيها الأقوات أو كادت ففتح خزائن القمح وأمر بتوزيعها على الضعفاء والمساكين في سائر إيالته، وجعل العيون على المكلفين بالتوزيع حتى لا تقع محاباة ولا يخفى شيء قل أو جل، أما في عاصمته المكناسية فقد باشر هو بنفسه توزيع ذلك ولم يتكل في تفريق المكيلة على غيره.

حلمه وسماحته
حلمه وصفحه عمن وجه إليه سهام الأذى فشيء فوق الحسبان وليس الخبر كالمعاينة، قال أبو عبد الله اليفراني المراكشي في الظل الوريف: لا يخفى على الناظر بعين الانصاف واللامح ببصر البصيرة أن مولانا إسماعيل لم ير الناس مثله في حلمه وصفحه عمَّن جنى عليه وذلك شائع ذائع مستفيض على لسان الخاص والعام، وكان يشق عليه العصا أهل كل وينكثون بيعته ولا يزال يسايرهم برفق ولين وإغضاء عن عثراتهم إلى أن يتمكن منهم، وتكون يده فوقهم، فيظهر لهم من الصفح والحلم ما يملأ به قلوبهم، ويستميل به نفوسهم، وذلك أمر واضح مشهور.
شدة تواضع
ومن شدة تواضعه رحمه الله، منعه للخطباء من ذكره على المنابر مقرونا بلفظ السيادة والمولوية وأمره لهم بذكر اسمه مجردا عنهما، فقد جاء في رسالة له رحمه الله إلى الخطباء ما نصه: “إلى كافة الفقهاء والخطباء بمحروسة تطوان سددكم الله ووفقكم، وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد: فاذكرونا في الخطب بمجرد اسمنا إسماعيل بن الشريف من غير زيادة مولانا ولا سيدنا، فقد استحييت أن تذكر الخلفاء من الصحابة الأجلاء والتابعين وأتباعهم رضوان الله عليهم بأسمائهم وكناهم، ونذكر نحن بأزيد من ذلك. وإن أبدى بعض العلماء وجها بالغ في الثناء فالحياء غلبنا ومنعنا من الالتفات إليه والسلام”.

عدله وانصافه
قال أبو عبد الله اليفراني: لو لم يكن فيه إلا خصلة واحدة لكفت في عدله وذلك أنه لا يحتجب عن الناس بداره كما كانت عادة من قبله من عظماء الملوك، يحتجبون عن الرعية بشهواتهم، ويقطعون جل الأوقات في لذاتهم.
كان المتظلم يمكث بباب الأمير الأشهر الكثيرة والليالي ذوات العدد يترقب خروج سلطانه إليه فلا يجد إليه سبيلا وهو يبرز في كل يوم وفي كل وقت حتى يصل إليه من أراده قويا أو ضعيفا؛ شريفا أو مشروفا؛ من غير حاجب يحجبه؛ ولا صاد يصده.

خشيته وخوفه من ربه
قال أبو عبد الله اليفراني: وأما تواضعه فأمر مستفيض يشهد به الخاص والعام ولاسيما تواضعه لرب العزة جل جلاله، فإذا تفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى أدركته خشية الله سجد على الأرض وعفر خديه وجبهته بالتراب، وربما أدركه وهو في طين فيخر ساجدا لله عز وجل ولا يبالي بتلوث ثيابه.
وذكر الوزير اليحمدي أن الشمس كسفت يوم الأربعاء الأخير مفتتح ثمانية عشر بعد مائة وألف انكسافا كليا حتى صار النهار ليلا مع مولانا السلطان مولانا إسماعيل بن الشريف وهو بأرجاء الحضرة العلية فمال إلى جهة من الأرض وتوضأ فأحسن الوضوء واستقبل القبلة يصلي وهو يدعو، فما لبث أن تجلت الشمس فسبحان من لا يزال بعباده لطيفا.

حب رعيته له
إن أخلاق هذا السلطان وشيمه بلغت به إلى امتلاك قلوب رعيته واغتباطهم بأيامهم الزهراء، قال أبو الحسن علي مصباح في سنا المهتدي: “فلم يزل معترفا للناس بمعروفه الجزيل، وعاطفا للدهر وقلوب بنيه بفعله للأولاد، في حياء عظيم، وتواضع جسيم، وميسم وسيم، وسمت حسن، وأدب مستحسن، وعقل ثاقب، ورأي صائب، وتدبير جزل، وقول فصل، وحكمة هامة، وسياسة تامة، ووقار وحلم، وجلال وعلم، حتى فدوه بالآباء والأمهات، وصار ملبى متى قال هات، وودوا أن لو يزاد في حياته من أعمارهم لما نالوا في مدته الغراء من مرادهم، وقضوه من أوطارهم، ورفعوا كف الضراعة إلى الله مبتهلين، وقاموا في أجواف الليالي متبتلين داعين إلى الله عز وجل أن يطيل حياته فيهم ويرفع به عنهم خطوب الأعادي ويكفيهم وينشدون في ذلك الحال بلسان المقال:
دعتك قلوب المخلصين وأخلصت وقد طاب منها السر لله والجهر
ومـدت إلى الله الأكـف ضــراعـة فقـال لهـن الله قد قضـي الأمـر
وفي عام خمسة وتسعين وألف ألم بالمترجم مرض آلم المخلصين من الرعية فلجؤوا إلى الله، وتضرعوا إليه سبحانه في أن يشفي إمامهم فاستجاب دعاءهم، ولما طلع على الأنام بدر محياه المشرف.. فرحوا واستبشروا وتهافتوا على راحتيه الكريمتين تهافت الفراش على ضوء السراج وحمدوا الله وأثنوا عليه، وزال ما كان بهم من الضنا والضجر.
هذه بعض شيم السلطان إسماعيل بن الشريف تظهر لنا كذب وافتراء من اتهمه بالدكتاتورية، والتعطش للدماء، وغير ذلك من التهم التي لا أساس لها من الصحة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>